محمد سالم أبو عاصي
105
علوم القرآن عند الشاطبي من خلال كتابه المواقف
قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِجْزاً مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَظْلِمُونَ [ سورة الأعراف : 161 ، 162 ] . كما يطلق المتشابه - مقابلا للإطلاق الخاص عند الشاطبي - على المنسوخ . فهذا أحد إطلاقاته ، وهو في غير القرآن . أما في القرآن ؛ فيطلق كل منهما بإطلاقين : أحدهما : يطلق كلّ منهما وصفا لجميع القرآن ، قال تعالى في بيانه الإلهي : الر كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ [ سورة هود : 1 ] ، وقال تعالى : اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ [ سورة الزمر : 23 ] . فكلّ من وصفي الإحكام والتشابه في هاتين الآيتين صفة مدح لجميع القرآن ، لا دلالة في أحدهما على ما يضاد الآخر . فمعنى كون القرآن كله محكما - كما في قوله : أُحْكِمَتْ آياتُهُ : الإتقان ، والمنع من الفساد ، وجعله تعالى آيات كتابه حكيمة . وهذه الأوجه الثلاثة التي ذكرها المفسرون كلها سائغة من حيث اللغة ، ومن حيث صحة الإرادة كذلك . غير أن الوجه الثالث هو خيرها جميعا على ما حققه أستاذنا الجليل الدكتور إبراهيم خليفة ، حيث يقول : " إن فعل " أحكمت " بمعنى جعلت حكيمة ، بوصفه مطلقا عن القيد ، تذهب النفس - الفاقهة لمقام إيراده وصف مدح لآيات الكتاب العزيز - في اجتلاء عظمة كنهه كلّ مذهب ، فلا تلبث أن تصرفه إلى الفرد الكامل ، وذلك يعني أن الآيات وضعت كل شيء في أحسن مواضعه السليمة اللائقة . ولا يتم هذا إلا إذا كان كلّ من نظمها ومعناها وغايتها